الأحد، 5 نوفمبر 2017

15 سبتمبر... المصدر الخفي






15 سبتمبر... المصدر الخفي



هل سمعتم ب  “تجمع العاطلين 30 أبريل”  “حراك 7 رمضان” ، قلة هم من سمعوا بهاتين الدعوتين ، وهي دعوات لم تجد لها أي صدى في الشارع السعودي ، وغاصت في أعماق النسيان ، وذلك ببساطة لأن أي طفل يستطيع أن يدخل الى تويتر ويدعوا الى خوض حرب عالمية ثالثة . لذا فأغلب هذه النداءات أو ما يطلق عليها الشباب هاشتاقات تذروها رياح التجاهل وتنتهي بلا مصب. مع ذلك فهاشتاق 15 سبتمبر لم يكن كذلك ،  ففجأة انتشر الهاشتاق وظهرت مواقع الكترونية قامت بتبنيه والاعلان عنه ، وهناك بعض المواقع نشأت قبل اسبوع فقط من الهاشتاق حتى أن محتواها فقير جدا . طبعا عملية التلميع الالكتروني هذه لها شركات عالمية متخصصة ، فهذه الشركات تستطيع خلال ايام فقط جعل أكثر المطربين المغمورين بؤسا ، من كبار المشاهير ، وهذه احدى كوارث الرأسمالية ، فهذه الشركات -وبحسب ما يدفع اليها من أموال- تقوم بانشاء مواقع متخصصة لنشر معلومة او نداءات سياسية او اشهار مطربين او فنانين ، كما تستطيع أن تجعل من تغريدة صغيرة في تويتر قضية رأي عام عالمي . ومن الواضح ان نداء ما يسمى بحراك 15 سبتمبر استند هو أيضا لعمل هذه الشركات العالمية ، فخلال ايام فقط ظهرت هذه المواقع الجديدة وظهرت شخصيات باسماء وهمية في وسائل التواصل الاجتماعي . لكن الملفت للنظر أن قطر لم تكتف فقط بذلك بل وضعت بصماتها على أداة الجريمة لتضبط في حالة تلبس red-handed حينما جاء بيان الحراك على تويتر متضمنا سيرة قطر وكأنما هذا الحراك هو رد فعل قطري أو لتعلن قطر مسؤوليتها عنه بشكل موارب قليلا او كما قال سهل بن مالك الفزاري:(اياك اعني واسمعي يا جارة) .
لكن أعتقد أن محاولات قطر مدفوعة الاجر لاشهار هذا الهاشتاق قد انقلبت عليها ، فالشعب السعودي انقض على الهاشتاق وغرد ضد فكرته بل اعتبر البعض أن هذا اليوم المحدد للتظاهر فرصة لاعادة البيعة والوقوف خلف الوحدة الوطنية في لحمة متلاحمة . فانقلب السحر على الساحر وبهت الذي فجر ، وكان من المخذولين. 
إن محاولات قطر هذه ليست أكثر من لعب أطفال ، بل أكثر سذاجة من ذلك ، وذلك جهلا منها بالمكون السياسي والشعبي للمملكة العربية السعودية ، لقد كانت قناة الجزيرة القطرية تمارس نفس هذه اللعبة في السنوات الماضية ضد الدول والشعوب العربية الأخرى لتحقق -في عمالة لا تحتاج لقوة نظر- سياسات تقسيم وتدمير هذه الدول الجارة لها ، وتشريد أهلها . قطر تحاول ممارسة اللعبة البئيسة هذه المرة مع المملكة دون أن تدري أن المملكة (تاريخيا ، وجماهيريا ، وسياسيا) مختلفة كل الاختلاف عن غيرها من الدول العربية . لكن محاولة قطر استخدام وسائل التواصل الاجتماعي من خلف ستار الشاشات  يكشف ايضا و بوضوح عن ضعف النظام القطري ، وأن إمكانياته باتت محدودة بعد أن صارت قناة الجزيرة -مطيته الأولى- سلاحا بلا ذخيرة ، ومؤسسة مكشوفة لدى العالم بأسره ، وصار الجميع يعرفون سياسات هذه القناة الإرهابية التدميرية. ففقدت قناة الجزيرة وهي السلاح الوحيد الذي كانت تملكه قطر ، فقدت مصداقيتها تماما وتحولت لقناة شديدة العبثية بحيث تفوقت على عبثيات صمويل بيكيت ، وقد ضاق الخناق عليها حتى صارت بوقا لتنظيم الاخوان وغيره من التنظيمات الإرهابية حول العالم. ومن ثم فلم يعد أمام قطر سوى انفاق مليارات الدولارات لتمارس ذات لعبتها عبر وسائل التواصل الاجتماعي ، ولكنها لم تكن تدري الاختلاف الكبير بين الاعلام التلفزيوني والاعلام الرقمي ، فالاعلام الرقمي لا يستطيع أن يصمد طويلا أمام الحقائق ، ولا تستطيع أكاذيبه الاستمرار في سيرها بدون ان تواجه برغبة الباحثين عن الحقيقة ، والذين -وبضغطة اصبع- يمكنهم معرفة ما إذا كانت جملة خبرية واحدة صادقة أم كاذبة. نحن في عصر المعلوماتية ، وهو عصر يقوده الشباب وليس نحن ، فالشباب الآن هو الأكثر تخصصا بأدوات جيله ، وهو الأكثر اندماجا في الثقافة الرقمية وهو أيضا الأكثر سرعة في التقاط المعلومة ووزنها من حيث الصحة أو البطلان .
ولذلك فان فشل ما يسمى بحراك 15 سبتمبر كان أمرا طبيعيا جدا ، لأنه لم يستند الى قوة على الأرض ولا على دوافع حقيقية ولا على جماهيرية تمنحه قوة الحضور اللازمة.

د. فهد بن نايف الطريسي
استاذ القانون المشارك بجامعة الطائف

قطر. هل تمتلك أدوات القيادة؟؟؟




قطر. هل تمتلك أدوات القيادة؟؟؟




نتساءل ويتساءل الكثيرون عن اسباب اقدام قطر على محاولات قلب الأنظمة العربية الحاكمة. ودعم الارهاب ..، يتساءل البعض سؤالا واحدا مشروعا، هل الشعب القطري ينتمي للإخوان المسلمين؟؟؟  قطر فتحت مكاتب لطالبان !! فهل الشعب القطري يميل عاطفيا وابستمولوجيا للفكر الطالباني وتنظيم القاعدة ؟؟؟، قطر دعمت الارهاب في سيناء المصرية ، فهل الشعب القطري يميل الى التطرف؟؟؟  اذا كانت الاجابة غير المنطقية هي (نعم)  فلتكن اذن تصرفات النظام القطرية منطقية ايضا ومتوائمة مع الرغبة الشعبية والجماهير للمواطنين القطريين. لكن الاجابة المنطقية والواضحة للجميع هي ان الشعب القطري ليس باخواني ولا طالباني ولا إرهابي ، فعلى اي أساس تستند قطر في كل تصرفاتها الشاذة هذه وما الغرض الذي ترجوه بانعزالها عن سياسات دول مجلس التعاون الخليجي والدول العربية ولأي غرض وهدف منطقي وعقلاني تقوم قطر بكل تلك الأنشطة الجنونية ؟
الجواب غريب جدا من وجهة نظري المتواضعة وهي ان قطر تحاول ان تلعب دورا قياديا لها ولو بوسائل غير مشروعة فالغاية تبرر الوسيلة كما قال ميكافيلي.
اذا كانت الاجابة هي كذلك فنحن لا نمانع ابدا في ان تلعب قطر اي ادوار ولكن بشرطين الشرط الأول هو ان تتفق هذه الادوار اولا مع سياسات ومصالح المجتمع الدولي عموما وسياسات ومصالح  دول الخليج والدول العربية على وجه الخصوص. 
الشرط الثاني ان تمتلك قطر القدرات اللازمة لتحمل عبء قيادة الخليج والمنطقة العربية ؛ فالقيادة ليست مجانية ، وبمسح بسيط لدولة قطر سنلاحظ انها تفتقد لآليات استراتيجية الدخول في لعبة القيادة وآليات القدرة على الاستمرار من ناحية جيوبوليتيكية بحتة ومن ناحية قدرات دفاعية ومن ناحية امكانيات تأثير ، فلعبة القيادة ليست كلعبة الفوز بتنظيم كأس العالم ،هي لعبة لا تصلح معها الاموال فقط وتقديم الرشى واستغلال الفساد .. انها لعبة كبيرة جدا ... بل أكبر من قطر بكثير ، كون قطر تنفق وتبذر اموال الغاز في اختلاق مشاكل داخلية للدول العربية لا يجعل منها دولة قيادية بل يجعلها دولة مارقة عن الاجماع والمصلحة العربية المشتركة.. 
لتكون قطر دولة قائدة فيجب ان تتوفر فيها اولا وقبل كل شيء المؤهلات الجغرافية اللازمة من موقع استراتيجي بحريا وبريا وجويا ..وهذه المؤهلات غير متوفرة وقد لاحظنا كيف ادت المقاطعة الى تكاليف باهظة على قطر رغم ان الدول المقاطعة لم تفعل شيء سوى انها استخدمت سلوكا سلبيا تجاه قطر بمجرد الامتناع.  هل تمتلك قطر قدرات على الضغط عبر نفوذ سياسي واقتصادي وعسكري على الدول الأخرى؟؟؟ بالتأكيد لا تملك شيئا من ذلك والدليل الواضح على ذلك ان قطر  استعانت بقاعدة عسكرية تركية لمواجهة كافة الاحتمالات مما اخرجها من الحماية الخليجية الصديقة الى حماية تركية اجنبية لا قواسم مشتركة بينهما .. فألم يكن من الأفضل لقطر أن تتحالف مع دولة الخليج الاقرب ثقافة ومصالحا والأكثر ارتباطا بالدم والجوار من الأجنبي الذي لا تشترك معه بأي صفة؟؟؟
 ان قطر وحيدة ومعزولة لا تستطيع حتى قيادة قطيع من المواشي ، ناهيك عن ان تقود الدول العربية ودول الخليج ، لقد حاول القذافي بنفس وسائل قطر الاجرامية تغيير السياسات العربية لقيادة المنطقة فماذا كانت النتيجة؟؟؟ نهاية كارثية ودموية بعد عزلة طويلة من المجتمع الدولي بل ودول التخوم والدول العربية . 
إننا اليوم كدول خليجية ندرك تماما اننا في عصر التكتلات الاقتصادية والعسكرية والسياسية وليس عصر اتخاذ قرارات فردية غير مسؤولة.. ان وحدة الخليج هي وحدها القادرة على تحقق قيادة جماعية للمنطقة لا ان تغرد قطر خارج السرب بمثل هذه السذاجة ..
اتمنى ان تعي القيادة القطرية هذه الحقائق وان تعود الى صوابها وان تتوقف عن لعب دور الابن المدلل للخليج والذي لا يمكن الاستمرار في تحمل شغبه الخطير هذا..

د. فهد بن نايف الطريسي 
استاذ القانون المشارك بجامعة الطائف

فارس الاستنارة والتجديد





فارس الاستنارة والتجديد



احتشدت التعليقات بوسائل التواصل الاجتماعي حول المقابلة  التي اجراها سمو ولي العهد بمنتدى مبادرة المستقبل... حركات الاستنارة والشباب المتطلع الى نبذ سطوة الفكر الراديكالي المتشدد وفتح آفاق الانطلاق نحو اقتحام العولمة الثقافية والاقتصادية ،  كان متوهجا و ثائرا جدا ،  تعليقاتهم أوضحت أشواقهم للتغيير ،  ورجال القانون على وجه الخصوص رأوا في الأمير وجها لتحسين الأنظمة القانونية بالدولة وخاصة فيما يتعلق بقوانين التعيين في المؤسسات العدلية كالقضاء والنيابة العامة وغيرها لتشملهم وتعترف بإمكانياتهم الضخمة في عكس التطورات الحداثوية في مجال الأنظمة والفلسفات القانونية والسياسات التشريعية . 

كثيرون في المقابل سيبدو عليهم القلق لأنهم قد يخسرون مراكزهم ومزاياهم الوظيفية والمالية والأدبية. لذلك فمن الطبيعي انهم لن يقفوا مكتوفي الأيدي وهم يشهدون انهيار المراكز القديمة وارتفاع الصروح الحديثة نحو أفق السماء. حقيقة انتشينا جدا بخطاب ولي العهد في منتدى مبادرة المستقبل، ورأينا روحا شبابية ترف على آفاق حلم الشعب السعودي ... ثلاثون عاما... لن ننتظر ثلاثين عاما أخرى؛ هكذا قال سموه في جملة مختصرة، تختصر العقود التي مضت. لتعلن الخروج من عباءة الغفوة الى عصر الحديث الجديد، ولتعلن عن الخروج من العزلة الذاتية الى الاندماج والانفتاح المعرفي.

جاءتني اتصالات عديدة تبارك وتبشر بعهد جديد، حتى من غير السعوديين، ويبدو ان الشباب العربي أيضا يتابع هذه التطورات عن كثب، فقد مل هذا الشباب من الأطروحات التي مضت عليها عشرات السنين والتي أدت الى انحباس أنابيب التواصل مع التطورات العلمية والثقافية والفنية والأدبية.

إنني من هنا أنوه وأنبه الى أن الحرس القديم لن يسكت، وان علينا كمستنيرين ان نقف مع مهندس النهضة ومشرع قوانينها بكل قوة، وان ندعمه معنويا، وان نبشر برسالته في كل فسحة وبكل فج عميق. 

حفظ الله سموه لنا وللمملكة ولمستقبل هذه الأمة وابعد عنه كيد الكائدين والحاقدين حتى ينير الحق ويستبين.



د. فهد بن نايف الطريسي

أستاذ القانون المشارك بجامعة الطائف


الأحد، 15 أكتوبر 2017

ولي العهد والتحديث ..ميراث سلف لخير خلف





ولي العهد والتحديث ..ميراث سلف لخير خلف



د. فهد بن نايف الطريسي

استاذ القانون المشارك بجامعة الطائف



     عندما حاول المؤسس  عبد العزيز بن عبد الرحمن توحيد الرأي والقرار والبلاد .. انبرت له الأصوات الرجعية لتوقف المسيرة نحو التحديث ، لم تكن المواجهة سهلة خاصة عندما ادخل الملك عبد العزيز بعض المخترعات الحديثة كالتلكس والهاتف والسيارة ...الخ ، كان على الملك أن يقف في مواجهة رفض الإخوان  لهذا التحديث الذي كيفوه بحسب بدائيتهم كمحدثة وكل محدثة ضلالة وكل ضلالة في النار ، كانت المواجهة منذ عام 1919 وحتى 1930 .. لم يكترث الملك الصنديد بتشدد الإخوان ولا بما اشاعوه من تكفير لمن خالفهم في الرأي ، بل قاوم كل هذه الأمواج من الرجعية بثبات قلب أسد.. فلنتخيل ماذا كان ليحدث لنا لو استسلم الملك لتلك الأصوات عقيمة الرؤى قصيرة النظر.

ان أفكار التجديد والتحديث والتطوير لابد أن تواجه بحرس القديم البالي (الذي لا يمثل الشريعة الاسلامية بقدر ارتباطه بقناعاتهم وأيديولوجيات احزابهم) ، لابد ان تواجه بمن يقفون خلف جدار التاريخ ، الذين يتجمدون خوفا من كل حادث ويحسبون كل صرخة تطوير عليهم ،  لقد جاء ولي العهد وهو شاب ، وفقيه قانوني ، وصاحب نظرة ترغب في  التطوير والتجديد  ونقل المملكة الى مرحلة الدخول في العولمة ليس انقيادا لها وانما قيادة لها ، منذ اول بيان لسموه أدركت أن لا شيء سيبقى على حاله كما كان ( وكتبت حينها مقالة عن المضامين القانونية في كلمة ولي ولي العهد ) ... نعم... لا يمكن لمستنير مثل سموه أن يقبل بالصورة الجامدة المتجهمة التي كانت تسيطر عليها فئة ملقاة في غيابة جب الماضي. إن من يدرس القانون لا يمكن أن يتساوى بغيره ، فالقانون يفتح آفاق العقل على عالم ضخم الاتساع ، على حقوق الانسان ، على القواعد الآمرة والمكملة، على قوانين تنظم كل جوانب التفاعلات البشرية بدءا من قوانين تنظيم السلوك الاجتماعي العام كالقانون الجنائي وانتهاء بالقوانين الاقتصادية وقوانين المهن والاعمال الحرة والقوانين التي تنظم المعاملات التجارية والمدنية ...الخ... من يدرس القانون يعلم أن الانسان لا يمكن أن يقف على رجل واحدة بثبات ،  ولا يمكن أن ينزل في نفس النهر مرتين كما قال هرقليطس .. فالحياة تدفق مستمر وأزلي نحو الامام..نحو المستقبل وليس تقهقرا نحو الماضي ، نعم عندما قرأت كلمة سموه جاءني ذلك الاحساس المنتشي بأننا على أعقاب حقبة جديدة وقد صدق حدسي تماما. فخلال الثلاثة أيام الماضية تواضعت المملكة على ما تواضعت عليه جميع دول العالم بأحقية المرأة في القيادة... ضجت وسائل التواصل الاجتماعي بهذا الخبر الذي كان مجرد تخيله شبه مستحيل... جميع شباب الدول العربية غردو وكتبوا منشورات على تويتر والفيس بوك تهنئ المرأة السعودية على هذا القرار المستحق الذي ما كان ليتم لولا ان سخر الله سبحانه وتعالى سمو ولي العهد لدعمه ، وانبرى المشاركون من الدول العربية في الاشارة الى التواريخ القديمة التي قادت فيها المرأة السيارة في دولهم المختلفة ، واعتبر البعض ان هذا القرار وان جاء متأخرا لكنه جاء ليعبر عن مرحلة جديدة وحياة جديدة للانسان السعودي عموما والمرأة السعودية خصوصا ، بل أن البعض قام بتحليل نتائج هذا القرار الاقتصادية باعتباره قرارا سيفتح فرص عمل جديدة لمشاركة المرأة السعودية في تنمية الاقتصاد الوطن. كما سيسهم القرار في تقليل الاعتماد على السائقين وتقليل التحويلات الخارجية.

ثم صدرت التوجيهات الملكية من لدن خادم الحرمين  باصدار نظام لمنع التحرش الجنسي ، وذلك تأكيدا على ما جاء بديباجة قرار اتاحة قيادة المرأة بأن حماية المرأة هو دور الدولة الموكول لها . 

إن الجميع في حالة انتشاء وغبطة ، لأن قلوبنا قد دلف اليها الأمل بالتغيير لنصبح دولة متحضرة تنشر الاستنارة للعالم أجمع .

من هنا استغل هذه السانحة لشكر مليكنا  خادم الحرمين الشريفين كما أرسل أمنياتي الخصبة بالتوفيق لسمو ولي العهد واهمس في اذنه: ستواجه الديناصورات ولكنك ستنتصر عليها ... هذا ديدن العظماء .

الثلاثاء، 10 أكتوبر 2017

أثر التعديلات التشريعية على التكامل في إدارة القضايا الجزائية









في ظل النشاط التنظيمي (التشريعي) لعدة قوانين بين تعديل ودراسة وإقرار يتوجب أن نطرح هذا الموضوع بين يدي القارئ.
فهناك مبدآن يحكمان العلاقة بين السلطات الثلاث، سلطة التحقيق وسلطة الاتهام وسلطة الحكم، فالمبدأ الأول وهو الفصل بين سلطة التحقيق والاتهام، والمبدأ الثاني هو الفصل بين سلطة الاتهام وسلطة الحكم، أما المبدأ الأول فلم يأخذ به المشرع السعودي، فالمادة الخامسة والعشرون نصت على خضوع رجال الضبط الجنائي لإشراف النيابة العامة، وأول النظام للنيابة العامة سلطة التحقيق، ولم يأخذ بنظام قاضي التحقيق المعمول به في بعض القوانين العربية كالقانون العراقي. وأما بالنسبة للمبدأ الثاني وهو الفصل بين سلطتي الاتهام والحكم، فقد أخذ به المشرع السعودي في المادة الثامنة والعشرين بعد المائة من نظام الإجراءات الجزائية.
وإثر هذا فإن هناك رقابة من قبل النيابة العامة على أعمال سلطات الضبط الجنائي، حيث الإشراف من قبل الأولى على الأخيرة ولا يثير ذلك مشكلة؛ أما ما يثير الإشكاليات الحقيقية فهو الفصل بين سلطتي الاتهام والحكم، حيث تنقطع العلاقة بينهما فيما يتعلق بسرعة أيهما في أداء واجباته القانونية، فالدعوى تحال برمتها إلى المحكمة وبالتالي تفقد النيابة العامة ولايتها على الدعوى.
وسوف نشير هاهنا إلى أهم الانتقادات الموجهة إلى نظام الإجراءات الجزائية مقارنة بالنظام الملغي السابق عليه، التي أعتقد أن بمعالجتها يحدث تدعيم قاعدي لإدارة القضايا الجنائية.
‏1- كانت الفقرات غير المرقمة من المادة الأولى في النظام القديم تنص على سريان أحكام هذا النظام ‏على القضايا الجزائية التي لم يتم الفصل فيها والإجراءات التي لم تتم قبل نفاذه . هذه الفقرات حذفت في ‏النظام الجديد، واستعيض عنها بما ورد بالرسم الملكي وقرار مجلس الوزراء رقم (12) حيث جاء فيها: ‏
أولاً: سريان أحكام النظام على الدعاوى الجزائية التي لم يتم الفصل فيها والإجراءات التي لم تتم قبل نفاذه ‏ويستثنى من ذلك:‏
‏(1)- المواد المعدلة للاختصاص بالنسبة للدعاوى المرفوعة قبل نفاذ هذا النظام.‏
‏(2)- المواد المعدلة للمواعيد بالنسبة إلى الميعاد الذي بدأ قبل نفاذ هذا النظام.‏
‏(3)- النصوص المنشئة أو الملغية لطرق الاعتراض بموجب هذا النظام بالنسبة إلى الأحكام النهائية التي ‏صدرت قبل نفاذ هذا النظام.‏
وهذا يعني أن الاستثناءات الثلاثة لا تسري على الإجراءات والدعاوى السابقة ؛ فتظل الأخيرة خاضعة ‏للنظام السابق.‏
غير أننا كنا نفضل أن يتم إلحاق هذه القواعد بالنظام لتكون جزءا منه، وذاك لأن الأصل أن قواعد سريان ‏أي قانون والاستثناءات الواردة عليها يجب أن يتضمنها النظام نفسه، خاصة أن النظام لم يقم بمجرد ‏تعديلات للنظام السابق بل قام بإلغائه . ‏
‏2- أضافت المادة الرابعة فقرة ثانية تخوِّل اللوائح تحديد حقوق المتهم الواجب تعريفها. وهذا ما يدفعنا إلى ‏التساؤل عن سبب عدم حصول حقوق المتهم على حماية نظامية أقوى بدلاً من تركها للوائح.‏
‏3- في المرسوم الملكي جاءت البنود ثالثاً ورابعا وخامساً بالآتي:‏
ثالثاً: في حالة تعدد العقوبات التعزيرية المقضي بها بتعدد الأحكام والقرارات، تختص المحكمة العليا ‏بإصدار حكم بالعقوبة اللازمة، وفق ضوابط تحددها الهيئة العامة للمحكمة العليا.‏
ونلاحظ أن السائد في الفقه هو أنه في مثل هذه الحالة تطبق العقوبة الأشد؛ كما أن ترك تحديد العقوبة ‏للمحكمة العليا –حتى بناء على ضوابط غير منصوص عليها داخل النظام- يعد انتهاكاً لمبدأ الشرعية، الذي يستلزم أن يكون تحديد العقوبات داخل النص النظامي لا خارجه وإلا عدَّ ذلك اعتداءً من قبل السلطة ‏القضائية على السلطة التشريعية (المنظم)، بالإضافة إلى أن مبدأ الشرعية يتطلب وضوح قواعد العقاب ‏للأفراد المخاطبين بالتزام أحكام النظام الجزائي مما يتطلب أن لا يحتاج الأفراد إلى البحث خارج (التقنين) ‏لمعرفة ما قد ينالهم من عقاب، كما أن هذا الأمر يعني أن المحكمة العليا ستقوم بخلط عقوبات مختلفة ‏والخروج بعقوبة لم تدر بخلد المشرع حين وضعه للنص.‏
رابعاً: لا ترفع دعوى جزائية على الوزير أو من يشغل مرتبة وزير أو من سبق له أن عين وزيراً أو شغل ‏مرتبة وزير إلا بعد الرفع عن ذلك إلى الملك للنظر فيها، ولا تسمع بعد مضي (ستين) يوماً من تاريخ ‏نشوء الحق المدعى به. وتحدد اللائحة التنفيذية لهذا النظام الأحكام الخاصة بذلك.‏
وهذا النص يثير عدة تساؤلات:‏
‏(1)- تنص المادة الخامسة من النظام الجديد على أن القضية تكون مرفوعة من تاريخ قيدها في المحكمة. فهل هذا النص يجيز إجراءات الاستدلال والتحقيق السابقة على الرفع إلى المحكمة؟‏
‏(2)- كما أن النص لم يبين لنا ما إذا كانت الحصانة متعلقة بأي جريمة أم بجريمة وقعت بسبب أو ‏بمناسبة الوظيفة؛ وإذ لم يفعل ذلك؛ فإن القصد المفترض هو أنها حصانة عن كافة الجرائم التي تقع من ‏المشمول بالحصانة.‏
‏(3)- هل تشمل هذه الحصانة جرائم الحدود والقصاص؟
‏(4)- رفع الحصانة يتطلب رفع الأمر إلى الملك، لكنه لم يبين ما إذا كان يكفي مجرد الرفع أم يجب أن ‏يصدر قرار بذلك. والنص يوحي بالخيار الثاني.‏
‏(5)- إذا كانت الدعوى تسقط تماماً بمجرد مرور الستين يوماً من تاريخ (نشوء الجريمة) ، فهل تخصم من ‏ذلك الفترة التي يقبع فيها طلب رفع الحصانة لاتخاذ قرار، أم أنها لا تختصم، أي هل فترة بقاء الطلب فترة ‏وقف للمدة أم لا؟
‏(6)- سقوط الدعوى تماماً خلال ستين يوماً يعني أن إجراءات التحقيق يجب أن تنتهي قبل ذلك، وعليه ‏فإن هذا النص يؤدي إلى إفلات المتهمين من العقاب، حيث إنه قد لا يمنح الوقت الكافي لنيابة العامة ‏في أداء عملها. وكان من الأوفق ألا يتم إسقاط الدعوى بمرور ستين يوماً بل تترك كسائر الدعاوى؛ ‏خاصة أن أمر رفع الحصانة متروك للملك، أي أنه وبمجرد إسقاط الحصانة، فإن هذا يعني أن المصلحة ‏العامة قد توفرت لرفع الحصانة.‏
4- ‏ أضاف النظام مادة جديدة وهي المادة (21) التي تحظر على عضو النيابة العامة أن ‏يتولى أي قضية أو يصدر أي قرار فيها وذلك في الحالات الآتية:‏
‏(1) إذا وقعت الجريمة عليه شخصياً أو كان زوجاً لأحد الخصوم أو كانت تربطه بأحدهم صلة قرابة أو ‏مصاهرة إلى الدرجة الرابعة.‏
‏(2) إذا كان بينه وبين أحد الخصوم عداوة أو مودة يرجح تأثيرها في مسار التحقيق.‏
‏(3) إذا كان قد سبق له أن أدى أي عمل في القضية بوصفه خبيراً أو محكماً أو وكيلاً، أو أدى شهادة ‏فيها، ونحو ذلك.‏
ويلاحظ أنها قصرت العلاقة على الدرجة الرابعة، رغم أننا مجتمع عشائري، تتصل فيه أواصر العلاقات ‏لأبعد من ذلك. ونرى أن الفقرة الثانية تمتد لتشمل حالات المودة التي تقوم بين الأصهار إلى ما بعد الدرجة ‏الرابعة. إذا ثبتت هذه المودة. غير أن هذه الفقرة الثانية قد وضعت شرطاً وهو أن يرجح تأثير هذه المودة ‏في مسار التحقيق، ونرى أن هذا الشرط يصادر على المادة من ناحية، ومن ناحية أخرى فإنه قد يدفع ‏بالمحقق إلى تبني موقف متشدد تجاه من له معه مودة، تأكيداً على فصله بين الوظيفة والعلاقات ‏الشخصية. ولذلك نرى أن يلغى الشرط تماماً. ولم تحدد المادة الجزاء المترتب على مخالفتها، ونرى أنها ‏تمنح أياً من الخصوم الحق في رد المحقق عن التحقيق، ولا نشترط هاهنا أن يكون حق طلب الرد للخصم ‏الذي ليس له علاقة بالمحقق، بل يجوز للآخر أيضاً، ذلك أنه قد يرى أن الناحية الأخلاقية تقتضي ألا ‏يتدخل المحقق لمصلحته على حساب السير الطبيعي للعدالة.‏
5- جاءت المادة (52) لتغير مواعيد التفتيش حيث أصبح من الواجب أن يتم نهارا من شروق الشمس إلى ‏غروبها. أما في القديم فمن بعد شروق الشمس إلى ما قبل غروبها.‏
ووضعت استثناءاً على ذلك؛ حيث يمكن أن يستمر التفتيش إلى الليل ما دام إجراؤه متصلاً.‏
والاستثناء الأخير استثناء عملي في القضايا التي قد تكون الجريمة فيها قد استغرقت مساحة واسعة من ‏مسرحها، كالتفتيش في المساكن الكبيرة أو المصانع الضخمة…الخ، أو حيث اتسع نطاق المعتدى عليه ‏‏..أو حيث تجاوز نطاق الاختصاص المحلي …الخ.‏
ولكن من ناحية أخرى فإن هذا الاستثناء قد يصادر على الميعاد المحدد في المادة؛ حيث يمكن استغلاله ‏لبدء التفتيش قبل دقائق معدودة من الغروب اعتماداً على اتصال التفتيش . ونرى ضرورة إضافة ضابط ‏لذلك؛ وهو ألا يستغل هذا الاستثناء بسوء قصد.
6- ضمت المادة (69) الجديدة كامل المادة (68) من النظام الملغي كفقرة أولى، وجزءاً من المادة (69) ‏‏(ملغي) كفقرة ثانية، أما الجزء الباقي فقد حذف، وهو الذي كان يجيز للمحقق أن يجري التحقيق في غيبة ‏المتهم والمجني عليه والمدعي بالحق الخاص ووكلائهم أو محاميهم وذلك متى رأى ضرورة ذلك لإظهار ‏الحقيقة. وبمجرد انتهاء تلك الضرورة يتيح لهم الاطلاع على التحقيق. وهذا يعني أن المنظم السعودي قد ‏ألغى هذا الاستثناء أو ربما قد يضمنه في اللائحة التنفيذية، ولكن سيثور حينئذٍ التساؤل حول جواز أن ‏تقرر اللائحة ما لم يرد به نص –بل تم حذفه- في النظام؟ فقد يطعن فيها –إذ ذاك- باعتبارها قد تجاوزت ‏إرادة المنظم بحيث سلبت ضمانة نظامية عبر قاعدة لائحية، وأن اللائحة لا يجب أن تصادر على أصل ‏الحق، كما أن حذف المنظم لهذا الاستثناء يعني اتجاه نيته إلى عدم الأخذ به.‏
7- جاءت المادة (79) لتضيف جواز إسعاف المصاب ولو لم ينتقل المحقق إلى مكان الجريمة. وتعد هذه ‏الإضافة من أفضل الإضافات من الناحية العملية والأخلاقية، ذلك أن ترك المجني عليه أو حتى الجاني ‏وهو غارق في دمه لمصلحة التحقيق يعد استهتاراً بالروح البشرية وتقديماً لبيروقراطية العدالة على حياة ‏الإنسان.‏
8‏- استبدلت المادة (104) كلمة (مكان) إقامة بـ (محل) إقامة ونرى أن محل الإقامة أضيق من مكان ‏الإقامة لأن المكان واسع بحيث يكفي الإشارة إلى المنطقة التي في دوائرها محل الإقامة، أما المحل فهو ‏تلك الوحدة السكنية التي تكون جزءاً من مكان ولها وصف رقمي أو حرفي يميزها عن غيرها، كما أن ‏المادة استبدلت مسمى (مدير التوقيف) بمسمى (مأمور التوقيف).‏
9- زادت المادة (117) الجديدة المدة التي يجوز فيها تنفيذ أوامر القبض أو الإحضار أو التوقيف من ثلاثة ‏أشهر إلى ستة أشهر. ونرى أن هذه الزيادة لا معنى لها. لأن التنفيذ الفوري للقرار هو الأصل وأما التأجيل ‏فهو الاستثناء ويجب أن يقدر الاستثناء بقدره، ونرى أن زيادة المدة يجب أن تحاط بشروط كوجود المتهم ‏خارج الدولة أو أن يشترط تسبيب التأخير وعدم التنفيذ الفوري، أما أن يحتفظ القائم بالتنفيذ بالأمر في ‏جيبه لينفذه وقتما شاء له فإنه من قبيل التهديد المستمر للأفراد في مواجهة السلطة العامة، وهذا ما يتنافى ‏واتجاهات العدالة الجنائية الحديثة.‏
10- أضافت المادة (124) سببا جديداً لحفظ الدعوى وهو (ألا وجه لإقامة الدعوى) وهذه الزيادة محل نظر، ‏نسبة لأن (لا وجه لإقامة الدعوى) هو وصف للقرار وليس سبباً من أسباب القرار، وأن عدم وجود أدلة ‏كافية هو بذاته سبباً للقرار بألا وجه لإقامة الدعوى، أنظر المادة (145) من قانون الإجراءات المصري ‏التي نصت على أنه (إذا رأى قاضى التحقيق أن الواقعة لايعاقب عليها القانون أو أن الأدلة غير كافية، ‏يصدر أمرا بأن لاوجه لإقامة الدعوى) ، كما أن حفظ الدعوى يعد مصطلحاً واسعاً يشمل الحفظ قبل ‏جمع الإستدلالات، وهو ما لا يعتبر قراراً (بألا وجه لإقامة الدعوى)، والحفظ بعد التحقيق وهو ما يعد – ‏وفقاً للأنظمة التي تأخذ بهذا التمييز- قراراً بألا وجه لإقامة الدعوى. ويمكننا أن نوضح ذلك الأمر بالحكم ‏الصادر من محكمة النقض المصرية التي ذهبت إلى أن (أمر الحفظ الذي تصدره النيابة العامة بعد قيامها ‏بأي إجراء من إجراءات التحقيق هو في صحيح القانون أمر بألا وجه لإقامة الدعوى الجنائية له بمجرد ‏صدوره حجيته التي تمنع من العودة إلى التحقيق إلا في الحالات وبالكيفية التي قررها الشارع في المادة ‏‏209 وما بعدها من قانون الإجراءات، ولو جاء الأمر في صيغة الحفظ الإداري، وسواء أكان مسبباً أم لم ‏يكن).‏
‏(نقض جلسة 4/12/1981 س 32 ق 62 ص 963) ‏
وقضت كذلك بأن (من المقرر أن الأمر بألا وجه لإقامة الدعوى الصادر من النيابة بوصفها إحدى سلطات ‏التحقيق بعد أن تجري تحقيق الواقعة بنفسها أو يقوم به أحد رجال الضبط القضائي بناءً على انتداب منها ‏على ما تقضي به المادة 209 من قانون الإجراءات الجنائية هو وحده الذي يمنع من رفع الدعوى، وكانت ‏النيابة لم تجرِ تحقيقاً في الدعوى أو تندب في ذلك أحد رجال الضبط القضائي، ولم تصدر فيه أمراً بعدم ‏وجود وجه لإقامة الدعوى الجنائية، وكان مجرد تأشير وكيل النيابة في بادئ الأمر على محضر قيد ‏الاستدلالات بقيده برقم لا يستفاد استنتاجاً الأمر بعدم وجود وجه لإقامة الدعوى، إذ لا يترتب على هذه ‏التأشيرة حتماً ـ وبطريق اللزوم العقلي ـ ذلك الأمر، ومن ثم فإن الحكم الابتدائي المؤيد للحكم المطعون فيه ‏إذ قضى برفض الدفع بعدم جواز نظر الدعوى يكون قد أصاب صحيح القانون) ‏
‎(‎نقض جلسة 11/1/1979 س 30 ق 12 ص 79‏‎)‎
وهكذا يمكننا أن نرى الخلط الذي وقع فيه المنظم بين أمر الحفظ وبين الأمر بألا وجه لإقامة الدعوى وبين ‏عدم كفاية الأدلة. ومن ناحية أخرى فإن المادة (124) قد أضافت وجوب تبليغ الأمر للمدعى بالحق ‏الخاص وبأن له حق المطالبة بالحق الخاص أمام المحكمة المختصة، وإذا كان قد توفي فيكون التبليغ ‏لورثته جميعهم في مكان إقامتهم ويكون التبليغ وفق نموذج يعد لذلك، ويوقعه المحقق ورئيس الدائرة ‏وتسلم صورة مصدقة منه إلى المدعي بالحق الخاص أو ورثته بعد التوقيع على الأصل بالتسلم لتقديمها ‏إلى المحكمة المختصة، ويسري ذلك على الأمر بحفظ الأوراق ونرى أن هذا تزيد لا ضرورة له؛ فكل هذه ‏الزيادة السابقة إنما هي توصيف لمجرى تنفيذ التبليغ تفصله اللوائح حيث مكانه الصحيح، هذا بالإضافة ‏إلى أنه حتى في حالة عدم حصول المدعي بالحق الخاص على نموذج التبليغ فإن هذا لن يحول دونه ‏واللجوء إلى المحكمة المدنية لأن القرار الصادر بالحفظ ليس حكماً قضائياً له حجية على المطالبات ‏المدنية لاتحاد الخصوم والمحل والسبب.

الخميس، 5 أكتوبر 2017

المجتمع وتطبيق القانون




المجتمع وتطبيق القانون


أحيي الكاتب الصحفي والاديب حماد السالمي عن مقاله : جرائم ( متمردة ) .. يجب ان ( تتوقف )
 والذي أغراني بأن أسكب ما يجيش بصدري وعقلي على وريقات تساؤلاتي الملازمة لي أينما حللت خارج الوطن كما يلازم الوطن قلبي دوما داخله أو خارجه ، ومن ضمنها قضية بانت لي من بين مسافات أسطر المقال المشار إليه، ألا وهو : لماذا نتجاهل القانون في الداخل، ولماذا نحترمه في الدول الأخرى ؟
ولإجابة هذا السؤال يجب أن نتناوله في بعدين أحدهما قانوني ، والآخر إجتماعي:
أما البعد القانوني ان مشكلتنا ليست في سن القوانين والانظمة المجرمة لسلوك المخالفات المرورية ولكن مشكلتنا هي الالتزام بتطبيق القانون وانزال الجزاء على من يخالفة حيث نجد ان هناك مواد كثيرة من قانون المرور الصادر عام 1428 لازالت معطلة ولم تفعل ومثالها المادة السادسة والسبعون والتي نصت على: (يحدد لكل مخالفة منصوص عليها في هذا النظام عدد معين من النقاط - بحسب خطورة المخالفة على السلامة العامة - وتسجل هذه النقاط في سجل المخالف، وتسحب رخصة القيادة عند تجاوز الحد الأعلى المسموح به من النقاط. وتحدد اللائحة القواعد والإجراءات اللازمة لذلك، ومُدد سحب الرخصة(. اما المفعل من مواد النظام فلاتجد من يطبيقها في ظل غياب كبير لرجال ضبط المخالفات فنجد ان المناطق ذات الكثافة السكانية ؛ مثل الرياض وجدة والدمام ..الخ ، يكون عدد رجال المرور، غير متناسباً مع الكثافة السكانية ، مما يدعوا الى الحاجة لمضاعفة رجال المرور الميدانيين في هذه المناطق . وهنا نقترح تفعيل قانون المرور كاملا وتكثيف تواجد رجال الضبط ومحاسبة من يتراخى في تطبيقه، ويعتبر التراخي في تطبيق القانون من الجرائم السلبية. ومع ذلك فإن هذا البعد القانوني لا ينفصل كثيراً عن البعد الاجتماعي الذي سنتناوله فيما يلي.
اما بعد الإجتماعي: طرحنا السؤالين المهمين : لماذا نتجاهل القانون ، ولماذا نحترمه في الدول الأخرى ؟
هذا سؤال جوهري ؛ لأنه لا يتعلق فقط بجانب التطور التاريخي لشعوبهم وشعوبنا ، بل يرتبط قبل كل شيء بالبناء الثقافي للمجتمع خلال صيرورته. ويحدث في المناطق قليلة الكثافة تراخيا في تطبيق الأنظمة والقوانين وذلك لعمق البعد الاجتماعي وتاثير العلائق الاجتماعية التي نمت اما لأسباب ان رجال الضبط ينتمون الى نفس المناطق او بسبب قدم الإقامة ليكون الانحياز للعلاقات الاجتماعية بدلا من الانحياز للأنظمة والقوانين.
ولذا نرى أن تقوم الجهات ذات الاختصاص بإعادة تدوير رجال سلطة الضبط في تلك المناطق قليلة الكثافة لأن بقاءهم لفترات طويلة يخلق بينهم وبين المجتمع ارتباطات كثيرة ، كما يجب ألا تزيد نسبة العاملين من أبناء المنطقة عن 25% من نسبة رجال السلطة ، وهذا ما كان عليه العمل سابقاً ثم بدأ التراجع عن تطبيقه شيئاً فشيئاً. كذلك ان تتضافر الجهود في الجانب الإعلامي والثقافي والتعليمي لنشر الوعي القانوني لدى افراد المجتمع وكذلك رجال الضبط.





 د.فهد بن نايف الطريسي
أستاذ القانون بجامعة الطائف

الخميس، 28 سبتمبر 2017

سلطة القاضي في التجريم والعقاب




مشاركة مني في احد وسائل التواصل الاجتماعي

لا يمكن اتهام الشريعة الاسلامية بالجمود ﻷنه يجب أولا التفرقة بينها باعتبارها مصادر كلية للحكم الشرعي وبين الفقه الذي يستنبط هذه الأحكام ؛ فالجمود لا يرد على الشريعة ولكن يرد على الفقه ومثال ذلك تعريف المال بأنه كل ما حيز بالفعل من أشياء مادية عند الفقه الاسلامي الكلاسيكي ؛ فهذا تعريف فقهي وليس منصوصا عليه في الكتاب ولا في السنة ومن ثم فإن الجمود لا يرد على هذين المصدرين بل على الاستنباط الفقهي ولذلك فإن تعريف الفقهاء للمال إذا كان صالحا في زمانهم فهو غير صالح في زماننا ﻷن المال الآن يرد على الأشياء المعنوية كما يرد على الأشياء المادية ؛ فالأفكار صارت تقوم بالنقود بل هي أخطر من الأشياء المادية ودونك الصراع حول بعض الافكار  والاختراعات بين شركات الحاسب الآلي التي تصل الى مليارات الدولارات. ومثالها تطبيقات الجوال كمشروع اوبر او تكسي كريم او تطبيقات الالعاب الالكترونية .
فهل علينا أن نلتزم بتعريف الفقهاء القدامى الذين يقولون أن السارق إذا سرق كتابا فلا قطع عليه ﻵن ما يحتويه من أفكار ليس بمال؟ أم أن نأخذ بالنظريات الحديثة التي طورها الفقه . هذا من ناحية من ناحية أخرى فإن القول بأن القاضي يملك مرونة في التجريم والعقاب فهذا خطأ جسيم ؛ ذلك أنه ينافي مبدأ المشروعية من ناحية ويقترب من قانون الكلب من ناحية أخرى ، وقانون الكلب لمن لا يعرفه هو أن صاحب الكلب ينتظر الكلب حتى يخطئ فيقوم بمعاقبته فيدرك الكلب -بعد  العقاب- أن سلوكه غير جائز ، وهذا لا يصلح للبشر فالبشر يجب أن نخطرهم -قبل معاقبتهم- بأن سلوكا ما ليس مشروعا قانونا ، فإذا بلغهم العلم بأن النشاط المحدد غير مشروع ورغم ذلك خالفوه فيجب عليهم العقاب ، وسلطة القاضي في التجريم والعقاب على نحو ما نراه تعني أن القاضي يمكنه معاقبة شخص على سلوك لم يكن هذا الأخير يتصور أنه معاقب عليه فقط ﻷن القاضي رأى أن السلوك غير شرعي. إذا فمبدأ المشروعية يحمي الأفراد من تعسف القضاة بوجوب أن لا يعاقب شخص على جريمة الا بنص نافذ قبل ارتكاب الفعل الاجرامي. 

من ناحية أخرى فإن منح القاضي سلطة التجريم والعقاب ينافي المبادئ الدستورية وأهمها الفصل بين السلطات فلا يتحول القاضي إلى مشرع  ونحن نعلم الضمانات الشكلية والموضوعية التي تراعيها السلطة التشريعية قبل سن النصوص وما تراعيه من اتساق المنظومة التشريعية ككل واحد. من جهة أخرى فإن عملية التجريم والعقاب صارت عملية معقدة وتحتاج إلى فنيين ومتخصصين ، والقاضي ليس فنيا ولا متخصصا كجرائم الحاسب الآلي مثلا ، بل أن الجرعة العقابية تحتاج إلى علماء في العقاب والاجتماع وعلم النفس وذلك حتى تكون العقوبة محققة ﻷغراضها المتوخاة منها كتحقيق الردع العام والردع الخاص واعادة تأهيل المجرم ليستطيع الاندماج في الجماعة بحسب مدرسة الدفاع الاجتماعي.. هذا ما عن لي وإن كان الحديث حول هذا الموضوع يطول شرحه وتفصيله مما يحتاج إلى سانحة أكبر .

حادثة الحرم النبوي والارهاب والتعليم




حادثة الحرم النبوي والارهاب والتعليم

نشر في جريدة الرياض الاحد 5 شوال 1437 الموافق 10 يوليو 2016

كان حادث التفجير قريبا من مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم وبجوار قبره الشريف وقبر صاحبيه عليهما رضوان الله أمراً مروعاً لم يتخيل المسلمون حدوثه مهما وصل بالمجرمين الانحراف والحقد والبغضاء والتوحش  فبين باك من هول الحدث وبين متضرع بالدعاء أن ينتقم الله من الفاعل والداعم والمحرض ، يقف وسط هذا المشهد رجال الأمن  بكل حزم مضحين بأرواحهم  ومكافحين  لذيول انهزامية هذا الفكر. تقبل الله جنودنا الشهداء ونصر الله المرابطين على تحقيق الامن  والامان لهذه البلاد المقدسة 

جميعنا يعلم فضل مدينة رسول الله طيبة الطيبة وأنا وغيري  نتساءل عن الكيفية التي يغسل بها دماغ فتى غض  إلى درجة أن يفجر نفسه في مكان مقدس مثل ماحدث في المدينة المنورة ؟ وإجابة هذا التساؤل لا املكها كلها بل أعتقد أن جميع المتخصصين قد حار بهم الأمر وأسقط في يدهم . ولكني أقول أن أحد الأسباب المهمة هي مناهج التعليم ، ولا أقصد بذلك المناهج الدينية ، بل أقصد النسق العام للتعليم  من ضمنه المناهج ؛  ففي التعليم ما قبل الجامعي يعتمد الأمر كله على الحفظ والتسميع ، فلا يوجد تدريب على التفكير الحر والعصف الذهني ولا على المناظرات الفكرية ولا المجادلات المنطقية ، لم يتعلم الصغار أن الحقائق نسبية ، بل هي بالنسبة لهم مطلقة ﻷنهم يتلقون المعلومة ولا يتلقون نقيضها ، فتبدوا الحقائق كلها مصمتة ومطلقة ، لم يتمرن الأطفال على فكرة الشك، فالشك هو أول خطوات البحث عن المعرفة ، بل أن معرفة الله سبحانه وتعالى بدأت بشك أبو الأنبياء سيدنا ابراهيم عليه السلام عندما شك  في الوهية الشمس والقمر والأصنام إلى أن وصل الى معرفة الله وهي المعرفة الكبرى . إن التعليم يجب ألا يمنحنا ثقة مطلقة في الحقائق والمعارف بل على العكس يجب أن يؤكد أن لكل حقيقة وجهها المخالف وأن كل معرفة تتمتع بوجود نسبي. 
أما التعليم الجامعي  ؛ إن هو إلا استمرار في مناهج التلقين ، فلا يوجد تدريب على المناظرات العلمية ولا على السجالات المعرفية ، ولا المناقشات الجدلية ، بل تعليم منهجي صلب ، تلقيني وتخزيني ، حيث يطلب من الطالب أن يحفظ ويخزن المعلومات كحقائق مطلقة ، لقد شاهدت محاضرات لجامعات غربية  تدرب الطالب على التفكير الذاتي وهناك برامج للمناظرات حول مواضيع مختلفة ونقاشات محتدمة حول إشكاليات قديمة وآنية واجهها ويواجهها الفكر الانساني.
إن تفجير المدينة المنورة هو نتاج عقلية  قطعية (دوغمائية ) لم تتدرب على التفكير النقدي ، ونحن نعرف أن البيئة المثالية للإرهاب هي البيئة الجاهلة . وتعليمنا يكرس لهذا الجهل ولذلك فمن المطلوب الآن تحويل المؤسسات التعليمية إلى مؤسسات لتحويل العقل -أي عقل الطالب- إلى عقل نقدي ، باحث ، قلق ، يعلم أنه كما أن البدر مضيئ فإن للقمر وجه آخر مظلم . 

ومن أسباب الإرهاب والمرتبطة بالتعليم الديني ؛ هي عدم التعمق في فكر الاختلاف ؛ ذلك أن الفقهاء رضي الله عنهم قد بينوا لنا أن الاختلاف رحمة وأن كل رجل يؤخذ ويرد عليه إلا صاحب هذا القبر عليه الصلاة والسلام كما قال أبو حنيفة (نحن رجال وهم رجال) ، فللأسف لا يعكس التعليم الديني سوى رأي واحد نهائي ، ولا يبين الإختلافات الفقهية حول الفروع الفقهية المختلفة ، فاختلاف الفقهاء ليس رحمة فقط ﻷنه يمنحنا عدة طرق لحل المشاكل ، بل أيضا ﻷنه يعلمنا أن الفقه رأي ورأي آخر ويعود بنا إلى نسبية الحقائق. إن الأمن الفكري ليس فقط دفع الشبهات ومدافعة الفكر المتطرف بل هو في تغيير مناهج التعليم الأساسي والجامعي بل وحتى التعليم فوق الجامعي ؛ فلقد رأيت ومن خلال تجربتي العملية وجود باحثين متشددين أيما تشدد في بحوثهم العلمية ، فهم يأخذون بالرأي العسير ويتركون اليسير رغم أن الدين يسر وليس عسر وأن الأصل في الأشياء الإباحة وليس القيد والحظر والمنع ، فهذه كلها أصول وضعها الأصوليون الأقدمون لكي تعين الفقيه على أمره ليعين السائلين من أمة الإسلام.

د. فهد بن نايف الطريسي
استاذ القانون المشارك، جامعة الطائف


رد على مشاركة من زميل افتقدت تعليقه ووجدت ردي

بالنسبة للنقطة الأولى فابتدر ردي بقول الغزالي رحمه الله فى خاتمة كتابه: "ميزان العمل" ، أن "الشكوك هى الموصلة إلى الحق فمن لم يشك لم ينظر، ومن لم ينظر لم يبصر، ومن لم يبصر بقى فى العمى والضلالة"
فالشك ومبدأه كان قبل ديكارت ؛ وهناك نوعان من الشك ؛ شك مذهبي وشك منهجي ، أما الأول فإن الغرض منه هو تقويض أي حقيقة ممكنة وأما الثاني فالغرض منه هو الوصول إلى اليقين . واليقين هو الاقرار بصحة موقف معين والتأكد من صحته بالأدلة والبراهين والحجة . أما شك بروتاغوراس فكان من النوع الأول فهو من قال أن الإنسان مقياس كل شيء. من ما سبق فإننا لا نقصد بشك ابراهيم عليه السلام خروجه عن منطقة اليقين ولكن سيدنا ابراهيم بدأ رحلته إلى الإيمان بالشك ، فهو شك في الأصنام بادئ ذي بدء ، ثم اعتقد في القمر قبل أن يلفظه وكذا في الشمس قبل أن يشك بها وكذا في سائر الكواكب لم يصل إلى اليقين فكانت رحلته رحلة شك في البدايات وقد أخرج الشيخان عن أبي هريرة  : أن رسول الله  قال: " نحن أحق بالشك من إبراهيم إذ قال : ( رب أرني كيف تحيي الموتى قال أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي ) [ البقرة : 260 ]، ويرحم الله لوطاً، لقد كان يأوي إلى ركنٍ شديد، ولو لبثتُ في السجن طول ما لبث يوسف لأجبت الداعي". أعتقد الكثير من المفسرين أن اعتبار سيدنا ابراهيم قد شك -في هذه الآية-منقصة منه ، ولكننا نرى عكس ذلك فابراهيم لم يشك في الامكان بل في الكيف لتدعيم يقينه ولذلك قال أرني (كيف) تحيي الموتى . فابراهيم لم يشك شكا مذهبيا بل ولا حتى منهجيا بل كان يبغى الوصول الى اليقين ولكن لا ينفي هذا أن رحلة سيدنا ابراهيم بدأت مع الشك في الأصنام والشمس والقمر وخلافه.
بالنسبة للنقطة الثانية وهي نسبية الحقائق ؛ فهي مرحلة ما قبل اليقين أما إن بلغنا اليقين فتلك قضية أخرى . بالنسبة للعقيدة والدين فالأصل فيها -بعد الفطرة-التوريث والذين يعتمدون على التوريث لا يشكون بل يؤمنون بما آمن به آباؤهم ولا يتساءلون ﻷن وجه الحقيقة عندهم مطلق ، وهؤلاء لو أنهم تركوا المطلق واعتقدوا في نسبية ما يملكون لبلغوا الدين الحق ولذلك تجد أن من يسلم من الغربيين يكون أكثر امساكا بجمرة الدين من غيره ﻷنه لم يصل الى المطلق إلا من خلال النسبي . ومن جهة ثانية فإن ماهو مطلق لنا نسبي لغيرنا وماهو مطلق لغيرنا نسبي لنا فهذه من ابتلاءات الله تعالى للإنسان  ولذلك قال تعالى (ولو شاء الله لجمعهم على الهدى فلا تكونن من الجاهلين) الأنعام 35. فأنظر كيف أن الله تعالى قد نعت من يخالف النسبية عند البشر بالجهل ، وهي النسبية التي أدت الى تنوع الأديان والمذاهب والطوائف كل بما لديهم فرحون . 

أما بالنسبة لنقطة هم رجال ونحن رجال ، فالحق فيها أن العلم له ثلاث مراتب أولاها مرتبة علم الخاصة وثانيهما مرتبة علم العوام وبينهما مرتبة وسطى ﻷنصاف العلماء وأنصاف المفكرين وبالتالي فإن القصد من جملة نحن رجال وهم رجال ليس أن ننخفض بمرتبة العلم الى معرفة العوام وهذا مما هو معلوم بالضرورة من سياق الحديث.

النخب القانونية




سنت المملكة العربية السعودية العديد من الأنظمة والقوانين المنظمة لجوانب الحياة، بل أنها سبقت العديد من الدول الأخرى في إصدارها للعديد من القوانين والأنظمة، فعلى سبيل المثال لا الحصر نجد المملكة قد أصدرت قانون لمكافحة الإجرام المعلوماتي، في حين نجد أن هناك دولاً أخرى كمصر لم يصدر فيها إلى الآن قانون خاص بمكافحة الجرائم الإلكترونية والمعلوماتية.
ونحن نرى أن المشكلة ليست في عدم وجود الأنظمة والقوانين أو قلتها، فكما قلنا أن المملكة أصدرت وسنت الكثير من القوانين والأنظمة، ولكن المشكلة الأكبر تكمن في غياب النخب القانونية عن معظم مؤسسات المملكة.
فحتى وقتنا هذا لا يوجد نقابة للمحامين، كما أنه يوجد الكثير من المؤسسات القانونية ويكون رئيسها غير دارس للقانون، وإنما قد يكون متخصصاً شرعياً مثل هيئة التحقيق والإدعاء العام، وكثير من الإدارات القانونية في المؤسسات القانونية تغيب عنها النخب القانونية.
ذلك أن الشرع عبارة عن كليات ، في حين أن القانون هو تحريك لهذه الكليات في مساق الشرح والتفسير والتطوير ، وقد انبثقت –منذ عقود- نظريات قانونية حديثة أخذت في التطور ، كنظرية الشخصية المعنوية ، ومبدأ الشرعية ، ونظريات بارتان وجارسون وخلاف ذلك الكثير في أفرع القانون المختلفة ، في حين ظل التراث  –بكلاسيكيته- يحكم قمة الشرع رغم أن الأخير كان يجب عليه التحرك للأمام عبر دمج الكلي بالتفصيلي وبالوضع في الاعتبار التراكمات المعرفية الإنسانية كأداة أساسية لتطوير الخطاب الشرعي. 
ونحن نؤكد أن وجود النخب القانونية في جميع مؤسسات الدولة بات أمراً في غاية الأهمية، بل وأصبح ضرورة حتمية لا سيما أن تلك النخب هي القادرة على تفعيل النص القانوني وتطبيقه وفق النظريات الحديثة . وفي الحقيقة لا نبالغ إذا قلنا أن غياب النخب القانونية حال دون التقدم التنموي المنشود في كثير من القطاعات الموجودة في المملكة العربية السعودية.
ولعل ما يؤكد وجهة نظرنا أن غياب تلك النخب في مؤسسات الدولة من شأنه أن يعمل على انتشار الفساد أو على الأقل يسهل من انتشاره، ولا يخفى على أحد أن الفساد يعد آفة خطيرة يمكن أن تصيب أي مجتمع؛ فهو ينخر كما ينخر السوس في الخشب، ومثلما ينخر السرطان في الجسم؛ فالفساد يُضعف من الجهود المبذولة لتعزيز التنمية، ويعد عائقاً أمام تحقيقها، كما يهدر الأموال العامة ويعرض أمن المواطن للخطر، كما يعرض أمن الدولة للتهديد.
من هنا تتضح أهمية وجود النخب القانونية في كافة مؤسسات الدولة، ويمكن أن يبرر ذلك من عدة وجوه نذكر منها ما يلي:
* وجود مثل هذه النخب من شأنه أن يعمل على إرساء معالم التطور والتغيير في المجتمع، ولا سيما إقامة الحكم العادل، ومكافحة الفساد.
* إن وجود النخب القانونية من شأنه أن يعمل على تكريس سيادة القانون، والعمل على تفعيل الكثير من الأنظمة القانونية التي صدرت، ولكنها لم تفعل بالشكل المطلوب ولا تتفق مع الغرض التي صدرت من أجله.
* إن وجود النخب القانونية يقلل من فرص استغلال الثغرات القانونية من قبل الفاسدين في المؤسسة.
*إن غياب النخب القانونية عن مؤسسات الدولة هو في نظرنا يعد من أهم معوقات محاربة ظاهرة الفساد والرشوة داخل مؤسسات الدولة.
ولا يسعنا في النهاية إلا أن نؤكد أن وجود نخب قانونية في كافة مؤسسات الدولة، وكذلك ترسيخ حكم القانون، وتطبيقه بكفاءة وفاعلية من شأنه أن يقضي على الفساد، وبالتالي يعم الخير، وتتحقق الرفاة في المجتمع، ويصبح المجتمع مجتمعاً مثالياً، ويصبح تربة خصبة للتغيير والتطور، والتقدم، والوقوف في مصاف الدول المتقدمة.
الأمر الذي يدعونا في النهاية إلى القول بأهمية الحاجة إلى وجود النخب القانونية، ولا يتأتي ذلك إلا بالإيمان الشديد من قبل القيادات بأهمية الحاجة إلى وجود تلك النخب، الأمر الذي يستدعي ضرورة إعادة هيكلة لمؤسسات الدولة، والعمل على وجود النخب القانونية في هذه المؤسسات.



التنمر الفكري





تواجه خطط وبرامج التطوير الكثير من التحديات، ولعل من أبرزها في وقتنا الحاضر، ظهور العديد من الجماعات والأشخاص يشتركون في رفع شعارات تحمل الصبغة الدينية في ظاهرها، وتتخذ من الإسلام ستارا لها.
وتحاول الوصول إلى أهدافها وغايتها عن طريق استخدام العديد من الأساليب والوسائل بإشعال العاطفة الدينية واستغلال طبيعة مجتمعنا المتدين بطبعه، ومن الوسائل التي تستخدمها تلك الجماعات ما يمكن أن نطلق عليه العنف الفكري.
والذي يعرف بأنه: “العنف المعنوي، الذي يصادر الحريات، ويسيطر على الإرادة، ويعمي العقول؛ حيث يصبح الفرد البشري مجرد آلة أو أداة يتم التحكم بها من أجل خدمة جماعة بعينها، تستخدم العنف الفكري سبيلا؛ لتحقيق أهدافها المشبوهة”.
وللعنف الفكري دلائل؛ من أهمها: الفكر المتشدد الذي لا يؤمن بحرية الإنسان وفكره، أو ما يمكن أن نطلق عليه التعصب للرأي، ويتمثل ذلك أيضًا في إلغاء الآخرين وتهميشهم، والحجر على آراء المخالفين، وإقصائهم، وعدم قبول أي فكر أو رأي معارض لفكرهم.
ولعل أخطر ما يمثله العنف الفكري، هو تتبنى أيديولوجيا حزبية، تقوم على الإقصاء والتشكيك، وشيطنة المجتمع تارة والمسؤول تارة اخرى، وتجييش الاتباع والتهديد بزعزعة الأمان الوظيفي وتصل إلى الإضرار المعنوي والنفسي؛ وصولا لاحتماليات التصفية الجسدية والإقصاء، وغيرها من أساليب العنف الأخرى، ومما يزيد من خطورة العنف الفكري هو أن الشباب هم أكثر الفئات العمرية التي تقع تحت براثن هذا العنف.
وبصورة أكثر إيضاحا يمكن القول بأن العنف الفكري يترتب عليه أخطار وأثار سلبية تنعكس على المجتمع، حيث يعمل على تهديد الاستقرار الاقتصادي والسياسي والاجتماعي لأي مجتمع، وكيف لا يؤدي إلى تلك الآثار السلبية، وهو يعد أحد أشكال الإرهاب، ولا يخفى على أحد الآثار السلبية للإرهاب.
ونظرًا لخطورة العنف الفكري، فلابد من مجابهته، الأمر الذي يحتاج إلى تضافر جميع مؤسسات الدولة، وتتم تلك المجابهة من خلال عدة أساليب، من أهمها ما يلي:
إن الدور الأساسي في مجابهة العنف الفكري يقع على عاتق النخب المثقفة في المقام الأول؛ ويمكن أن يتم ذلك من خلال تفعيل مجموعة من الأنشطة الحوارية، والدراسات والبحوث، والكتابات، والمؤتمرات، التي تهدف إلى تصحيح الأفكار والمعتقدات، وتنقية العقول المنحرفة من الشوائب التي علقت بها ، ومنع العقول الأخرى من الانحدار في بؤرة الانحراف والشذوذ والتطرف والتعصب الفكري.
يقع أيضًا على عاتق مؤسسات الدولة على اختلاف أنواعها القيام بدور فعال في مواجهة ظاهرة العنف بكافة أشكاله –ولا سيما العنف الفكري-، ولن يتأتى ذلك إلا من خلال قيام تلك المؤسسات بتحصين الشباب من الوقوع في براثن الانحراف الفكري.
كما يجب العمل على تفعيل استراتيجية الأمن الفكري، لما له من أهمية كبيرة في التحصين الأخلاقي، والعقائدي، والفكري، فالأمن الفكري يعمل على تهذيب العقول وحفظ النفس، كما أنه يمثل ضمانة هامة للمجتمع ضد التطرف الفكري والإرهاب. كما يجب مواجهة ثقافة الكراهية وشيطنة المجتمع بنشر ثقافة الفرح وتعزيز الثقة.
وأخيرا: قد يقول قائل إن العربة تسير في الاتجاه الصحيح وأقول: نعم هي كذلك مع انطلاق رؤية ٢٠٣٠ وبرنامج التحول الوطني ٢٠٢٠ ولكني أضيف ومع ذلك يبرز التنمر الفكري؛ ليصل إلى حد التطرف والإرهاب ليضع العصاء في دولاب عجلة التقدم ليس لأهداف سامية إنما لأهداف أيديولوجية مزايدة.
د. فهد بن نايف الطريسي
أستاذ القانون المشارك – جامعة الطائف

برنامج التحول الوطني





برنامج التحول الوطني ؛ هو ثورة حداثوية بكل ما تعنيه هذه الكلمة ، إنه قطيعة مع الماضي وبناء للمستقبل الذي من المفترض أن تكون عليه المملكة . فهو ليس رؤية بقدر ما هو برنامج نهضوي ، وربما كانت أزمة انخفاض اسعار النفط هي الدافع فرب ضارة نافعة وربما كانت رؤية دافعها مواكبة العولمة الاقتصادية والثقافية والأمنية ، أي الأمن بمفهومه العام الواسع الذي يشمل الأمن الاقتصادي والسلام الاجتماعي ، انطلق البرنامج ليحقق تحريرا اقتصاديا شاملا ، دون نسيان دور الحكومة في دعم الشرائح الضعيفة وتوفير مناخ معيشي صحي لها ، ولكن الأهم هو التحول الى التحرير الاقتصادي ، وبالنسبة لي كقانوني فإنه يعني إعادة فحص وسن قوانين جديدة أكثر انفتاحا على العولمة ، أي أننا سنواجه بثورة تشريعية مقابلة لكي يسير هذا البرنامج على قدمين ويتحول من رؤى إلى واقع معيش .

سيؤدي هذا التحول الاقتصادي الى التحول لاقتصاد السوق ومن ثم توفير فرص للقطاع الخاص وللاستثمار ومن ثم تخفيف تدخل الحكومة في الأداء الاقتصادي إلا ما يحقق التوازن وهو بالتالي ليس برنامجا رأسماليا بقدر ما هو  اجتماعي ، وأعتقد أنه سيحتاج الى حراك من كافة الجهات المعنية بالتنفيذ ونقل ما على الورق إلى الحياة المعيشة ، أي أننا سنشهد حراكا ثقافيا وسياسيا واقتصاديا واجتماعيا وقانونيا عدليا ، وسنشهد حراك من داخل القطاع العام الحكومي لبلورة الرؤية الى الواقع.

وبما أن هذا البرنامج نتاج لعزم سياسي وتحت رعاية واشراف مباشر من ولي ولي العهد فإنه سيتميز بالجدية والمثابرة بروح شبابية وثابة ومتطلعة الى التفوق. 
إن صح هذا البرنامج وصدق تفعيله الى الواقع فإنه قد آن لنا الاحتفاء به وجعله يوم عيد وطني ، فالمملكة الآن تخرج من عباءة الاقتصاد الريعي الى التنوع الاقتصادي وتنويع موارد الدولة بما يعني نموا عاما لكافة امكانيات هذا الوطن الممتلئ بالخيرات والبركات  . 

وفق الله ولاة أمورنا لما فيه الخير وندعو الله أن يحقق طموحات قادتنا في تحويل المملكة الى نمر اقتصادي جديدة في القارة الآسيوية والشرق الأوسط والوطن العربي.

الجمعة، 28 يوليو 2017

القضاء- بين المجانية والتكاليف وفق مشروع نظام التكاليف القضائية المقترح

 القضاء- بين المجانية والتكاليف
وفق مشروع نظام التكاليف القضائية المقترح

ثار جدل فقهي طويل جدا وتاريخي حول مدى ضرورة مجانية اللجوء إلى القضاء ؛ لن نفصل في ذلك الجدل كثيرا وانما سنشير اشارة عابرة الى حجج الطرفين. فمن يقولون بمجانية القضاء يستندون الى عدة استنادات بعضها قانونية وبعضها اجتماعية عدلية ، اما القانونية فهو أن لجوء الفرد الى قاضيه الطبيعي هو حق كفلته الدساتير والأنظمة الأساسية وفرض تكاليف على الفرد ليلجأ الى قاضيه الطبيعي يعني عرقلة استخدام الفرد لحقه هذا وبالتالي فإن هذه العرقلة تشوبها شائبة عدم الدستورية ، ومن جانب اجتماعي عدلي فإن فرض رسوم على التداعي القضائي يؤدي الى ترك الفقراء حقوقهم لمن يسلبها نتيجة عدم قدرتهم المالية للجوء إلى القضاء ، وهذا يعتبر من وجهة أخرى انتهاك للعدالة التي يجب أن تتغياها انظمة الحكم وادارة الدولة كما ان القضاء ولكي يضمن حياديته ونزاهته  يجب أن يؤدي عمله دون ان يطلب مقابلا على ذلك فالعدالة ليس لها ثمن  ، الا ان الفريق الآخر رد على ذلك بأن فرض رسوم على التداعي القضائي وكافة الطلبات المقدمة الى جهة القضاء يحول دون تفشي ظاهرة الدعاوى الكيدية والصورية التي لا سند لها مما يرهق كاهل القضاء بهذه الدعاوى الزائفة بدلا عن توجيه جهده الى النظر في الدعاوى الحقيقية والجادة . بالاضافة الى ذلك فإن وضع رسوم على الدعاوى لا يتم بدون تدرج بحسب قيمة الدعوى والاجراء المطلوب فلا تتساوى قيمة الدعاوى مع بعضها فالدعاوى المليونية والملياريةتكون رسومها اعلى من رسوم الدعاوى التي لا تتجاوز بضعة الاف من الريالات ، وفي عدم فرض رسوم على الدعاوى المليارية تضييع لحق القضاء في أخذ نسبة من قيمة هذه الدعاوى لتصرف اداريا لفائدة تطوير العمل القضائي ، كما ان فكرة فرض رسوم لا تخل بحق الفرد في اللجوء الى قاضيه الطبيعي لأنها لم تصادر على أصل هذا الحق بل نظمته ، أما بالنسبة للفقراء وغيرهم فكما سبق القول لن يخضعوا لفرض رسوم على الدعاوى التي يرفعونها وفق تقدير القضاء لحقيقة فقر المتداعي ، بالاضافة الى ان الخصم عندما يحكم لصالحه انما يسترد ما دفعه من رسوم في الدعوى وايضا اتعاب المحاماة وهذا يمنع المدعى عليه من التمادي في نفي المسؤولية عنه لأن كل هذه المصاريف والرسوم سوف يردها هو حينما يحكم ضده . كذلك فإن فرض رسوم قضائية سيجبر الأفراد على تغليب الصلح بينهم وحل نزاعاتهم وديا وسلميا . 
ويبدو ان المنظم السعودي قد مال أخيرا الى اعتبارات الرأي الثاني فها نحن نشهد مشروعا لنظام التكاليف القضائية .
وقد وضح مشروع النظام الغرض منه  في المادة الثانية حين أشار الى ان الغرض من القانون كبح الدعاوى الصورية والكيدية وتوجيه المتقاضين الى طريق الصلح والحث على توثيق واثبات التعاملات والعقود . 
وبالنسبة للمخاوف المثارة حول اشكالية عدم قدرة بعض الاشخاص على دفع رسوم التقاضي والاجراءات القضائية .. نجد ان مشروع القانون قد راعى هذا الجانب من عدة محاور... فعبر نطاق تطبيق القانون عينيا ،  فهذا النظام لا يطبق على الدعاوى الجزائية وهذا سببه ان المختص اولا برفع الدعاوى الجزائي هو النيابة العامة .  والدعاوى والطلبات المتعلقة بالتنفيذ ، واهم شيء والنقطة الجوهرية أن هذا النظام لا يسرى على دعاوى الأحوال الشخصية مراعاة لأن هذه الدعاوى غالبا تتعلق بأطراف ضعفاء كالمرأة والطفل . 
ومن محور آخر فإن المشروع لم يفرض دفع الرسوم مقدما للسير في الدعوى فالمادة الثانية عشر منعت وقف السير في الدعاوى لمجرد عدم دفع الرسوم كما ان المواد اللاحقة لها أخذت في الاعتبار ان المدعي قد يحكم لصالحه ومن ثم يكون المدعى عليه هو الملزم قانونا بدفع التكاليف ومن ثم فلا يجب حرمان شخص من اللجوء الى القضاء مادام كان صاحب حق حقيقة لا ادعاء ولا كيدا . واما المادة السابعة عشر فقد نصت على من يتم اعفاءهم من دفع الرسوم ومنهم المسجونون والموقوفون والدعاوى التي يرفعها العمال نسبة لأن العامل غالبا ما يكون فقيرا .
اخيرا فإن فرض هذه الرسوم لا يذهب الى السلطة التنفيذية او التشريعية (التنظيمية) في الدولة وانما يتم ايداع مبالغها في حساب خاص يخصص للصرف على مشروعات تطوير القضاء وفقا للمادة التاسعة عشر.
وهذا وفق تقديري الشخصي يعني ان فرض الرسوم القضائية لم يكن الدافع اليه هو أزمة اقتصادية بل هو بالفعل منعا لارهاق القضاء بقضايا كيدية وصورية تتكدس لتخفي وراءها دعاوى وقضايا حقيقية يجب ان يوجه اليها القضاء جل وقته.

نشر في جريدة الجزيرة

http://www.al-jazirah.com/2017/20170728/rj1.htm

السبت، 15 يوليو 2017

العام الدراسي الجديد

العام الدراسي الجديد

22 سيبتمبر 2013
د.فهد بن نايف الطريسي

هناك مقولة سائدة عند علماء البرمجة اللغوية العصبية ، وهي أنه لا أحد يبدأ من الصفر . لأن الصفر عدم والعدم لا ينتج سواه. ولكن هناك إرادة ننطلق منها ، وهناك مكونات لهذه الإرادة. وهذه كلها مركب قوة محركة للإرادة أودعه الله فينا لتعمير الأرض. ثم وعي يتحد بالإرادة ليكوِّنا الطاقة الأولى للبناء. إذاً؛  نحن لا نبدأ من الصفر ، بل على العكس نحن نبدأ دائماً من ملكيتنا للإرادة والوعي وهما هبتان من الله سبحانه وتعالى. وهما أساسٌ لكل شيء. بلا إرادة لا نستطيع السيطرة على ما حولنا ، ومن غير الوعي ، تكون سيطرتنا عشوائية وخطرة.
إذا ً؛ فإن العام الدراسي الجديد ، لا يعني أننا نبدأ من الصفر ، بل نبدأ أولاً من القوة الذاتية وهي القوة النشطة (الإرادة) ، ثم قوتنا الذهنية وهي الوعي. هذا الوعي تشكله تراكماتنا المعرفية التي اكتسبناها خلال حياتنا منذ الطفولة من الأسرة والمجتمع والمدرسة وسنواتنا السابقة في الجامعة ونظل نكتسبها علماً وعملاً إلى أن يقضي الله بأمره ؛ ولكل أجلٍ كتاب.
إن بداية العام الدراسي هي بداية عمياء من توقعات الدارسين ، إن الأمر ينطلق لديهم -وبشكل أوَّلي- من التساؤل حول سهولة أو صعوبة المقرَّرِ الدِّراسيِّ. والواقع أن هذا التساؤل خاطئ تماماً. فلا يوجد منهج دراسي سهل ، كما لا يوجد منهج دراسي صعب. كل ما في الأمر أن التقييم يجب أن يبدأ بالنقطة الأولى الحقيقية ، وهي: هل نريد أن يكون المقرر سهلاً هذا العام بخلاف السنوات السابقة أم نريده صعباً. نعم فالطالب هو من يريد وليس المقرر. إن الطالب هو من يحدد منذ البداية إذا ما كان سيسمح للمقرر بأن يسيطر عليه ، أم يسيطر هو على المقرر. فإذا اتجهت إرادة الطالب إلى السيطرة على المقرر منذ البداية فسوف ينتهي إلى إلمام تام أو شبه تام به. ولا شك أن هناك عوامل كثيرة تلعب دورها في بذرة الإرادة لدى الطالب؛ منها العامل الأساسي وهو الوعي العام بأهمية المرحلة ، كما أن للمراحل السنية وما يصحبها من تغيرات فسيولوجية وسايكولوجية دور في جذب الطالب إلى خارج قاعة المحاضرات أو إلى داخلها.  
كذلك فإن الشغف الخاص بعلم من العلوم أو بفن من الفنون أو رياضة ما ؛ يلعب دوراً في إنجذاب الطالب إلى الدراسة أو النفور منها.هذا بالإضافة إلى العلاقات الإجتماعية مع الزملاء والدكاترة. لذلك فإن عملية توجيه الطلبة توجيهاً معنوياً وفكرياً يجب أن تكون قائمة كآلة من الآليات الداعمة لمنظومة التدريس في الجامعة. وأن نجاحها مرهون بجدية طرحها للطلاب بالإضافة إلى قابلية الطالب نفسه للتغيُّر والتَّعلُّم والإستفادة من المقررات الدراسية.
أخيراً أتمنى أن يكون هذا العام الدراسي عاماً تنطلق فيه قدرات الشباب من الطلاب نحو الجد والجدية ، والمثابرة في وضع لبنة الإنطلاق لمستقبلهم العلمي والعملي ، والتأسيس لبنائهم الأخلاقي والديني. عملاً بالإرشاد القرآني العظيم حين قال عزَّ وجلَّ:
بسم الله الرحمن الرحيم
(اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ *خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ
عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ)
صدق الله العظيم




نطاق تجريم التأييد والتعاطف مع الجماعات الإرهابية

نطاق تجريم التأييد والتعاطف مع الجماعات الإرهابية د.فهد بن نائف الطريسي أستاذ القانون المشارك بجامعة الطائف ...